كتبت في هذه الصحيفة قبل ثلاثة أشهر، مقالة تناقش الديموقراطية الكويتية، وتتعرض لفشلها في أول اختبار حقيقي لها عام 1990، وأشرت حينها إلى أن الديموقراطية الكويتية أصبحت منذ ذلك التاريخ معطِّلة وليست منتجة، بسبب أن نواب الأمة حولوا رمز الديموقراطية (مجلس الأمة) إلى حلبة للصراعات الإيديولوجية وتصفية الحسابات، اعتماداً على مرجعياتهم المذهبية والطائفية والقبلية!
وذكرت في مقالتي (الكويت... جناية الديموقراطية الشقراء/ يمكن قراءة المقالة كاملة على الرابط: http://abdullahnassir.ektob.com/84128.htmil)، أن السبب فـي انهيار الديموقراطية الكويتية بعد الغزو العراقي، يعود إلى ان وجه الديموقراطية التي تم تعاطيها منذ عام 1961 وحتى 1990، لم يكن ذا سحنة كويتية خالصة، وإنما كان وجهاً غربياً كامل الدسم، إذ استنسخ الكويتيون في منتصف القرن الماضي الديموقراطية الغربية بكامل صفاتها (الزمانية والمكانية!)، وزرعوها في السواحل الشرقية للخليج العربي، من غير أن يدركوا أنها إن نجحت لبعض الوقت، فإنها لن تنجح كل الوقت، بسبب عدم تجانسها في خطوط كثيرة مع (الذات) الكويتية.
وفي آخر مقالتي ذكرت أن الديموقراطية الكويتية خصوصاً والعربية عموماً، يجب أن تُبنى على عدد من الأسس المنبثقة من طبيعة الشعوب العربية، التي ما زالت حتى اليوم تخنق الفرد برباط الجماعة!
قلت إننا نحتاج إلى ديموقراطيات محلية تحاول أن تنمي في المواطن العربي استقلاليته وفردانيته، وتتعامل معه على انه مريض (بمرض الجماعة) يرجى برؤه، وأضفت أنه لا يمكن بحال من الأحوال تطبيق الديموقراطية الغربية (الشقراء) على شعوبنا، لأنها ستفتقد في بيئاتنا المحلية أهم حجر زاوية يقيمها وهو استقلالية الفرد ومعرفته بواجباته وحقوقه!
بعد نشر المقالة بأسبوع، كتب الأمين العام لهيئة الملتقى الإعلامي العربي الزميل ماضي الخميس في صحيفة «أوان» الكويتية ما نصه: «يرى الزميل عبدالله ناصر العتيبي في مقال له في صحيفة «الحياة» بعنوان «الكويت... جناية الديموقراطية الشقراء!»، أن الكويتيين اختاروا منذ البداية تضخيم الهوية الوطنية على حساب الهويات الطائفية والقبلية والإقليمية، ويرى أن الكويتيين منذ بواكير الاستقلال كانوا يريدون استيراد الديموقراطية الشقراء ذات العينين الزرقاوين، وزرعها في السواحل الشمالية للخليج العربي، ويرى أن الكويتيين استطاعوا خلال 29 عاماً (منذ 1961 حتى 1990) أن يوازنوا بين حاجات الديموقراطية وطبيعة مجتمعاتهم، لكنه في الوقت ذاته يرى أن الديموقراطية الكويتية للأسف لم تكن تمتلك أي نوع من أنواع المصدات أو الحاميات. ويعزف الزميل العتيبي على اسطوانة أن مجلس الأمة أصبح حلبة للصراعات الإيديولوجية ومكاناً مناسباً لتصفية الحسابات، وبدلاً من العمل على دفع التنمية صار النواب يتسابقون على التعطيل، ليس من أجل الكويت.. بل من أجل خلفياتهم الدينية والقبلية! ثم يضعنا العتيبي أمام حسم لا يدع لنا فيه مجالاً للنقاش، انه نتيجة لذلك توقفت الكويت حضارياً عند 1990، ولم تستطع تجاوزه حتى الآن»!
لقد صال الزميل العتيبي وجال في ديموقراطيتنا، التي اعتبرها مجازاً امرأة شقراء.. كانت مغرية في شبابها.. لكنها أصبحت الآن عجوزاً ذميمة. ووضعنا في دائرة من العبارات والمصطلحات والمسلمات التي لا مجال للخوض فيها.. ووسط محاولاته الجاهدة لتشويه الديموقراطية الكويتية نسى أو تناسى أياً من محاسنها... وأغفل أن الديموقراطية التي يلعنها كانت سنداً وحامياً لنا ضد الكثير من الأزمات... استطعنا من خلالها أن نحافظ على ثباتنا وسط الكثير من العواصف... ونسى أو تناسى أن بعض مساوئ الديموقراطية التي ذكرها أنعم كثيراً من ظلام القهر والتقييد والتكتيم التي كانت وما زالت دول عربية عدة تنعم بها... وتستمع بمزاياها!
يا صديقي... العن الديموقراطية كما شئت... لكن لا تحرمنا رأينا لنختار ما نريد... ودمتم سالمين».
ثم عاد الزميل ماضي بعد شهر وكتب مقالة بعنوان: «مأساة الديموقراطية» قال فيها: «أظن بعد حل مجلس 1982 كتب عراب الصحافة الكويتية أحمد الجارالله عنواناً عريضاً على صدر الصفحة الأولى (الحل... هو الحل)... ايماء إلى أن حل مشكلات الكويت وقتها يكون بقرار حل مجلس الأمة، الذي اتخذه أمير الكويت وقتها. والآن أصبح حال المواطن الكويتي... وهو ينظر إلى الأزمات والمشاحنات والحروب الجانبية تعصف بوطنه وتوقف نموه وتقدمه... وينظر بعينه الأخرى إلى دول شقيقة وصديقة بلا ديموقراطية ولا هم يحزنون... وتشهد نمواً وتقدماً وازدهاراً... فلا يجد هذا المواطن سوى القهر والأسى ليتدثر بهما بعيداً عن المأساة التي صنعها بنفسه... المسماة (مجلس الأمة).
حين هلل الكويتيون للديموقراطية في مطلع الستينات كانوا يرون بها حلماً جميلاً يملأ قلوبهم بالأمل لتقودهم هذه الديموقراطية الى الأمان والاستقرار وحفظ حقوقهم، ونمو بلدهم... ولم يكونوا يوماً من الأيام يعتقدون أن هذه الديموقراطية اللعينة ستنقلب وبالاً عليهم تعيق حركة كل شيء... وتدخل بلدهم في نفق مظلم من الصراعات والمآسي التي لا تنتهي، بالأمس قدمت الحكومة استقالتها... وتعالت وتيرة الاشاعات... ولا أحد يعرف ماذا سيحدث خلال الايام المقبلة وفق السيناريوهات المحتملة... قبول الاستقالة... او حل المجلس... او رفض الاستقالة بناء على ضغط شعبي، خصوصاً بعد أن حاز رئيس الحكومة من التأييد والمساندة من النواب ما يكفيه لعبور الأزمات... الاستقالة أو الحل... لن ينهي الأزمات القائمة والمقبلة... ثمة أمور أخرى قد يكون من شأنها حل تلك المأساة المتكررة... ودمتم سالمين».
وهنا ينتهي كلام الزميل ماضي ويبدأ كلامي الذي سأختصره في أربع نقاط:
- مضى زمن طويل على آخر لقاء بيننا يا ماضي، لذلك أنا مشتاق لك.
- عندما اكتب عن الكويت، فذلك لأنني بجانب جنسيتي السعودية، كويتي أيضاً... وقطري وبحريني وعماني وإماراتي كذلك.
- قال لك سوء الفهم إنني أهاجم ديموقراطية الكويت، كما يتضح ذلك في تعقيبك الأول، وهذا غير صحيح شكلاً وموضوعاً، جملة وتفصيلاً، أنا فقط أحاول أن أبيّن أننا بحاجة إلى ديموقراطيات تحمل سحناتنا، تضمن لنا الازدهار ونضمن لها الديمومة والاستمرار.
شكراً لأنك أنصفتني في مقالتك الثانية.