نظم مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية مساء يوم الإثنين الماضي ـ 3 آذار (مارس) 2008 ـ حلقة النقاش الثانية بعنوان "سبل تحقيق اللامركزية الإدارية" في مقر جامعة الأمير سلطان. الحلقة التي رعاها سمو الدكتور عبد العزيز بن عياف أمين منطقة الرياض، استقطبت حضورا كبيرا ومتنوعا، ولا شك أن رعاية أمين منطقة الرياض ومشاركته شجعا كثيرين على الحضور، ليس كونه أحد الرموز القيادية المحلية المميزة والجذابة ولكن أيضا المتخصص الأكاديمي في إدارة المدن.
مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية وحوار عن اللامركزية
د. عدنان بن عبد الله الشيحة
نظم مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية مساء يوم الإثنين الماضي ـ 3 آذار (مارس) 2008 ـ حلقة النقاش الثانية بعنوان "سبل تحقيق اللامركزية الإدارية" في مقر جامعة الأمير سلطان. الحلقة التي رعاها سمو الدكتور عبد العزيز بن عياف أمين منطقة الرياض، استقطبت حضورا كبيرا ومتنوعا، ولا شك أن رعاية أمين منطقة الرياض ومشاركته شجعا كثيرين على الحضور، ليس كونه أحد الرموز القيادية المحلية المميزة والجذابة ولكن أيضا المتخصص الأكاديمي في إدارة المدن.
فسمو الأمين يجمع بين الممارسة العملية والمعرفة الأكاديمية ما يمنحه خاصية الحديث العميق ولكن بواقعية، وامتلاكه قدرة تحليل الأحداث ووصف الحالة الإدارية في إطار نظري واضح المعالم وفي الوقت ذاته قريب المعنى بسيط الطرح دون غرابة ألفاظ وتنطع بالمصطلحات يجعله أكثر قربا للعقول والإفهام. هذا فضلا عن أن موضوع اللامركزية يعتبر من الموضوعات التي تستأثر باهتمام كثيرين.
إن ما زاد من عمق النقاش وجديته وجود نخب ثقافية مشاركة من قطاعات مختلفة أثرت الحوار وقدمت أفكارا وطروحات جديدة وجذبت الانتباه إلى تجاربها في دول أخرى. ما ميّز حلقة النقاش الحديث المفعم بالوطنية والدافعية القوية نحو المصلحة العامة، والنظرة المتزنة بين البحث عن الإصلاح والتجديد والتطوير من جهة والحفاظ على القيم والثوابت الوطنية من جهة أخرى. لقد كانت وجهات نظر متعددة ومختلفة ولكن هدفها المصلحة العامة وتطوير المجتمع.
استهلت الحلقة بحديث من مجموعة من الخبراء السعوديين في مجال الإدارة المحلية، هم: الدكتور ثامر المطيري، الدكتور عبد المحسن الرشود ، الدكتور هاني خاشقجي ، والدكتور ناصر التويم، وقد شرفت بالمشاركة وإدارة النقاش. تناول المحاضرون موضوعات عن الوضع الراهن للتمويل والتنظيم المحلي والصعوبات والمعوقات والفرص والإمكانات واقتراحات تتعلق بأساليب التحول إلى اللامركزية، ووضع ميزانيات عامة على أساس مناطقي وليس قطاعي، والتأكيد على منح البلديات الاستقلال المالي والإداري في البحث عن مصادر تمويل محلية مثل رسوم على مبيعات العقار ورسوم الرقابة الصحية على المطاعم.
لقد اتفق الحضور على أن هناك ضرورة لصياغة نظام خاص بالإدارة المحلية يحدد الصلاحيات بين المستويات الإدارية الوطنية والمناطقية والمحلية. الدعوة لمثل هذا النظام هو للاستجابة للمتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية.
لقد تبدلت الأوضاع وتغيرت الظروف وتعقدت الأمور ولم تعد بسيطة سهلة، فعدد السكان تضاعف عدة مرات منذ توحيد السعودية، حيث لم يكن يتجاوز مليوني نسمة، يعيش نحو 80 في المائة منهم في البادية أو الريف، بينما يبلغ عدد السكان اليوم ما يقارب 27 مليون نسمة، 77 في المائة منهم يعيش في المدن، وتقدر إحصائيات هيئة الأمم أن سكان السعودية سيبلغون 45 مليونا بحلول عام 2020م كتقدير متوسط، وأن ما يقارب 88 في المائة منهم يسكنون المدن.
هذه الزيادة في عدد السكان بشكل عام وسكان المدن بشكل خاص تمثل تحولا كبيرا في تركيبة المجتمع ونمط الحياة والثقافة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع. إن ما كان يصلح بالأمس لم يعد مناسبا لليوم، ما يلقي على عاتق المجتمع مسؤولية البحث عن صيغ جديدة تحاكي الواقع وتتفاعل معه، ونظم إدارية قادرة على نقله إلى مستويات أعلى من النضج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. هكذا يتم تحصين المجتمع ويجعله أكثر قدرة على الوقوف في وجه التحديات ويمكنه من تجاوز الصعوبات، بل أن يكون في موقع أفضل من المنافسة العالمية وأن يحتل مكانة وتأثيرا دوليا.
إن الاعتماد على التنظيم البيروقراطي والمركزية الشديدة والنهج الإداري الرتيب المبني على البطء والركود والثبات لا يتناسب مع المعطيات الجديدة التي تتطلب الإبداع والابتكار والمبادرة والبحث دائما عن الأفضل. لقد بات من الضروري إيجاد هيئات محلية ومناطقية مستقلة ماليا وإداريا تمنح صلاحيات صنع القرارات بدلا من الوضع الحالي الذي يعتمد على تنفيذ القرارات من قبل فروع الأجهزة المركزية. ما تم التأكيد عليه في الحلقة هو أن مفهوم اللامركزية لا يعني التفويض داخل نطاق التنظيم الإداري للجهاز المركزي بحيث تمنح الفروع صلاحيات أكبر، ولكن نقل للسلطات التنفيذية والتشريعية للمستويات الإقليمية (المناطق) والمحلية بالقدر الذي يمكنها من إدارة شؤونها مع بقاء المسؤولية الرقابية للحكومة المركزية.
إن التنمية المحلية والإقليمية أساس التنمية الوطنية، وتحقيق التنمية المحلية يتطلب أن يكون هناك ارتباط وثيق بين السكان ومدنهم وتعزيز الانتماء القانوني والمؤسسي وقنوات التعبير والمشاركة في صنع القرار المحلي. يجب أن يتولد لدى السكان إحساس بأن مدينتهم هي البيت الكبير الذي يشاركون في تصميمه وتحديد حجمه ونوعية الخدمات ومصادر الدخل وأسلوب تطويره والارتقاء به. إنه الإحساس بالمكان وتملكه ما يجعل السكان يتبنون التنمية ويسهمون فيها لأنهم يدركون العلاقة بين المدخلات والمخرجات، بين إسهاماتهم والنمو الاقتصادي الذي يعود عليهم بالنفع، ليس كأفراد وحسب، ولكن كمجتمع محلي، فالمصلحة العامة عندئذ تكون مطلبا والجسر الذي يعبر منه الجميع إلى آفاق أرحب من العمل الجماعي والهدف المشترك والمنفعة المجتمعية.
وفي ظل المنافسة العالمية والانفتاح الاقتصادي يكون دور المجتمعات المحلية أكثر وضوحا وأكثر أهمية بسبب التحول من المنافسة المحلية إلى المنافسة الدولية، فلم تعد الحدود الدولية تحجز التأثيرات والتعاملات بين المحليات والعالم الخارجي. ومع هذا الانفتاح يكون من الضروري تهيئة المدن لنوع جديد من الاقتصاد الذي يعتمد على التميز والخبرة والتخصصية، وقدر كبير من المرونة لمسايرة التغيرات السريعة في أنماط الاستهلاك وتنوع الأذواق. من هنا فقد أصبح من الواضح أن التنمية من أعلى إلى أسفل أقل قدرة على مواجهة التحديات بسبب عدم حساسيتها للمتغيرات المتسارعة.
إن التنمية الحقيقية تبدأ من المحلية مثل الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. إن قدرة المجتمعات المحلية على تطوير ذاتها مرهونة بحجم الصلاحيات في صنع قراراتها والاستجابة للمتطلبات الحقيقية في بيئتها. من هنا كان الحديث عن بناء القدرات المحلية أمرا مهما وأساسا لنجاح التنمية المحلية. والمقصود ببناء القدرات المحلية القدرة على البحث عن الإمكانات البشرية والمادية والثقافية المحلية وتفعيلها والعمل على تطويرها وتكبير الكعكة الاقتصادية.
وقد تكون مبادرة مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية بتنظيم مثل هذه الحلقات النقاشية خطوة مهمة في إعادة التثقيف وتطوير أفكار جديدة في الإدارة المحلية، وإتاحة الفرصة للمختصين والمهتمين في مناقشة إحدى أهم القضايا الوطنية إلحاحا.
إن تطوير الإدارة المحلية هو أساس في معالجة كثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو يمثل الجذور التي تمد التنمية الوطنية بالحياة ومن دونها تذبل وتجف وتتساقط أوراقها. إن المجتمعات المحلية هي اللبنات الأساسية في بناء المجتمع وإن قوة البنيان من قوة لبناته وإن قوة المجتمعات تأتي من قدرتها على التطوير الذاتي والنمو وبناء القدرات، وهذا لا يتأتى إلا من خلال إدارتها بفاعلية وكفاءة عبر هيئات مستقلة ماليا وإداريا.
إن جميع المشاكل التي نعانيها سببها أننا نضع حلولا مركزية لقضايا محلية، لقد كان مؤسس الكيان الملك عبد العزيز، يرحمه الله، يتمثل القول "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب" تلخيصا لفلسفة الحكم وتعليلا لمنحه المسؤولين والسكان المحليين الصلاحية لإدارة شؤونهم، فحسب رأيه الحكيم ـ رحمه الله، أنهم أدرى بمصالحهم وأكثر اهتماما واختصاصا من الأجهزة المركزية.
أتمنى أن يكون موضوع اللامركزية الإدارية والمالية أحد موضوعات الحوار الوطني وأن يتم مناقشته في مجلس الشورى لنخرج بتصور واضح المعالم ونسير بخطى ثابتة نحو مستقبل مشرق بإذن الله.