فشل حزب العدالة والتنمية في انتخاب رئيس جديد
هل تطيح الانتخابات المبكرة بأردوغان؟ *
لحسن الحظ لم ينجم عن فشل حزب العدالة والتنمية المهيمن حاليًا على المجلس الوطني التركي انتخاب رئيس جديد للبلاد لخلافة الرئيس "أحمد نجدت سيزار"، في أن تعود تركيا لأزمة عام 1980 حين أسفر عجز المجلس الوطني التركي عن انتخاب رئيس جديد عن تدخل المؤسسة العسكرية وتعطيل العملية الديمقراطية بالبلاد للمرة الثالثة منذ إقرار النظام الديمقراطي متعدد الأحزاب عام 1950.
بولينت ألريزا
ترجمة - مروى صبري
هل ينجح حزب أردوغان في تعديل طريقة انتخاب الرئيس؟
لحسن الحظ لم ينجم عن فشل حزب العدالة والتنمية المهيمن حاليًا على المجلس الوطني التركي انتخاب رئيس جديد للبلاد لخلافة الرئيس "أحمد نجدت سيزار"، في أن تعود تركيا لأزمة عام 1980 حين أسفر عجز المجلس الوطني التركي عن انتخاب رئيس جديد عن تدخل المؤسسة العسكرية وتعطيل العملية الديمقراطية بالبلاد للمرة الثالثة منذ إقرار النظام الديمقراطي متعدد الأحزاب عام 1950.
لكن سوء إدارة الحزب لعملية الانتخاب الرئاسي التي شهدت تدخلاً غير مسبوق من جانب المحكمة الدستورية وتحذيرات صارمة من هيئة أركان الجيش التركي وتظاهرات شعبية ضد الحكومة، قد خلق اختبارًا جديدًا وصعبًا أمام الديمقراطية التركية.
فقد جاء انهيار جهود انتخاب "عبد الله جول" نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية للرئاسة، والاتفاق على إجراء انتخابات مبكرة في 22 يوليو 2007، ليكون بمثابة صفعة قوية لرئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان" وحزبه. وتتجلى فداحة هذا الفشل بالنظر إلى أن "أردوغان" ورفاقه حققوا نجاحات مستمرة منذ تأسيسهم حزب العدالة والتنمية بعد الانفصال عن حزب الفضيلة الإسلامي في أغسطس عام 2001، لكن أسلوب إدارة "أردوغان" لتداعيات هذه الانتكاسة الكبرى، سوف يحدد مستقبل النظام السياسي التركي، وكذلك مستقبل حزبه.
ورغم أن معظم قادته شكلوا جزءا من الحركة الإسلامية منذ السنوات الأولى لعملهم السياسي، أعلن حزب العدالة والتنمية منذ البداية أنه ليس حزبًا من الإسلاميين، وإنما من "الديمقراطيين المحافظين"، وجاء ذلك كإشارة واضحة على استعداده للعمل داخل إطار النظام العلماني التركي.
وقد نجح الحزب في الاستفادة بشكل كامل من سوء الإدارة والفساد اللذين اتسمت بهما الحكومات السابقة للفوز بأغلبية ساحقة في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر عام 2002. وأعقب ذلك، تنفيذ الحزب برنامج لتعزيز اقتصاد البلاد حظي بدعم من صندوق النقد الدولي، إلى جانب تمكنه من إحراز تقدم على صعيد محادثات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، يقف الحزب الآن في مواجهة تحد بالغ الخطورة مع لجوء المؤسسة العسكرية من جديد لاستعراض عضلاتها وانقسام الشارع التركي ما بين مؤيد ومناهض له باعتباره تهديد للعلمانية التركية.
خطأ حزب "أردوغان"
مع اقتراب فترة ولاية "سيزار" من نهايتها، تنامى اهتمام الأجندة السياسية التركية بمعرفة هوية خليفته، خاصة ما إذا كان "أردوغان" سيسعى لخلافته. وشهدت البلاد فترة طويلة بشكل غير عادي من التكهنات، بينما تجنب "أردوغان" إعلان نواياه بوضوح فيما يخص الرئاسة، واتسمت تعليقاته بالغموض وأحيانا بالتناقض حول هذا الأمر.
بيد أنه أصر على التقليل من أهمية الحملة المناهضة لتوليه منصب الرئيس التي يتزعمها "دينيز بيكال" زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض والتي امتدت إلى قطاعات واسعة من المجتمع التركي. وكان الأحرى بـ"أردوغان" أن يدرك أنه وحزبه في مواجهة مخاطرة كبرى وأن تداعيات خطيرة سوف تترتب على إخفاقه في بناء إجماع حول قضية الرئاسة.
وبالنظر إلى محاولاته منذ انتخابات عام 202 للقضاء على المخاوف إزاء سعي حزبه لتنفيذ "أجندة إسلامية خفية" تهدد الدولة العلمانية التركية"، من المثير للدهشة ألا يبدي رئيس الوزراء تحسبًا للانقسامات المحتملة داخل الشارع التركي الناجمة عن ترشحه لمنصب الرئيس.
ومن خلال سيل الاتهامات التي وجهها "بيكال" والخصوم السياسيين الآخرين لحزب العدالة والتنمية بأن تولي "أردوغان" الرئاسة يعني سيطرة الحزب على المؤسسة الوحيدة التي تعمل كحائط صد أمام ممارسته لسلطة مطلقة من خلال الحكومة التي يشكلها والأغلبية التي يحظى بها داخل البرلمان، نجح هؤلاء الخصوم أخيرًا من العثور على قضية بمقدورها حشد تأييد غالبية المواطنين الأتراك ممن لم يصوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية، ولكن في الوقت ذاته امتنعوا عن إبداء سخطهم علانية إزاء حكومته. كما شدد معسكر الخصوم على رمزية غطاء الرأس الذي ترتديه زوجة "أردوغان" والتي حال دخولها قصر الرئاسة الذي يحظر بداخله حتى الآن ارتداء الحجاب مثلما الحال مع جميع المؤسسات الرسمية الأخرى، سيصبح ذلك بمثابة تأكيد على هزيمة النظام العلماني.
ثم بدأت التكاليف المحتملة المترتبة على ترشح "أردوغان" للرئاسة في التصاعد بصورة خطيرة في منتصف أبريل. ففي 12 أبريل، أعلن رئيس هيئة الأركان التركية "يسار بويوكانيت" أن الرئيس الجديد عليه "الالتزام بالمبادئ الرئيسية للجمهورية ومبدأ الدولة العلمانية الديمقراطية قولاً وفعلاً". وفي اليوم التالي، حذر "سيزار" من أن النظام العلماني التركي "يواجه تهديدًا غير مسبوق منذ إقامة الجمهورية." وبعد يومين، جاب شوارع العاصمة أنقرة مئات الآلاف من المتظاهرين المؤيدين للنظام العلماني التركي ومرددين هتافات معادية لأردوغان.
ورغم استمرار "أردوغان" في تجاهل حملة المعارضة المتصاعدة واستمراره في التشاورات الرسمية مع زملائه في الحزب قبيل أيام من الموعد النهائي للترشح المحدد له 25 أبريل، تشير تقارير مؤكدة إلى أنه شعر بعدم ارتياح حيال شدة المعارضة. ولكنه ربما تأثر بدرجة أكبر باستطلاعات الرأي غير المعلنة التي توصلت إلى أن حزب العدالة والتنمية لن يبلي بلاءً جيدًا في الانتخابات البرلمانية بدونه. وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية، أعلن "أردوغان" في أعقاب اجتماع له مع اللجنة التابعة للحزب في 18 أبريل أنه لن يسعى لتولي الرئاسة.
وبعد استعراض أكبر عدد ممكن من المرشحين المحتملين البديلين من أعضاء الحزب ممن لا ترتدي زوجاتهم غطاءً للرأس، وقع اختيار "أردوغان" على وزير الدفاع "فجدي جونول". ولكن واجه اختياره معارضة من قبل "بولنت أرنج" رئيس البرلمان الذي هدد بإحداث انقسام كبير داخل الحزب من خلال الترشح، حال عدم ترشح أي من "أردوغان" أو "جول". وعليه، عاد "أردوغان" مرة أخرى إلى "جول" الذي ترتدي زوجته هو الآخر غطاءً للرأس قبل يوم واحد من الموعد النهائي.
من جانبه، بذل "جول" جهودًا كبيرة لتهدئة المعارضة. ولكن جاءت لقاءاته مع "بيكال" وزعيمي حزبي "الوطن الأم" و"الطريق القويم" بلا جدوى حيث قررت الأحزاب الثلاثة مقاطعة الاقتراع الأول في 27 أبريل. ومع اقتصار "جول" على 357 صوتًا داخل البرلمان المؤلف من 550 عضوًا، سرعان ما نقل حزب الشعب الجمهوري القضية أمام المحكمة الدستوري على أساس أنه لم يتوافر النصاب القانوني اللازم لانعقاد الجلسة مع تغيب 367 عضوًا يشكلون ثلثي المجلس. ومن الواضح أن حزب العدالة والتنمية ارتكب خطأً فادحًا بعدم أخذه على محمل الجد التهديد باللجوء إلى القضاء حتى اللحظة الأخيرة.
وقبل أن تشرع المحكمة الدستورية حتى في النظر في القضية، أصدرت هيئة الأركان التركية بيانًا شديد اللهجة قبيل منتصف ليلة 27 أبريل نجم عنه تحول النزاع السياسي والدستوري إلى أزمة تتعلق بمستقبل النظام السياسي التركي. وأشار البيان إلى أن المؤسسة العسكرية "تراقب بقلق التشكيك في العلمانية التي أصبحت محور العملية الانتخابية الرئاسية"، وباعتبارها المدافع الأول عن العلمانية، فإنها على استعداد للاضطلاع بواجباتها. ورغم استجابة حكومة حزب العدالة والتنمية في اليوم التالي بإصدار بيان رفض التهديدات الصادرة عن مؤسسة "تابعة لرئيس الوزراء" باعتبار ذلك أمر لا يمكن تخيله داخل نظام ديمقراطي، وأعلنت الحكومة عزمها على المضي قدمًا في عملية انتخاب "جول"، تحول الموقف بشكل حاسم ضد "أردوغان" ورفاقه، ففي الأول من مايو شرعت المحكمة الدستورية في إلغاء الاقتراع الرئاسي رغم عدم وجود سابقة لذلك في الانتخابات السابقة. وبعد الفشل مجددًا في إقناع 367 عضوًا بحضور جلسة التصويت داخل البرلمان في 6 مايو، أعلن "جول" سحب ترشحه.
أردوغان بين شقى رحى
قبل ثلاثة أيام من تخليه عن جهود انتخاب رئيس جديد، تقدم حزب العدالة والتنمية باقتراح داخل البرلمان لإجراء انتخابات مبكرة في 22 يوليو. ونظرًا لأن الدستور ينص على إجراء انتخابات برلمانية في غضون 90 يومًا من الفشل في انتخاب رئيس جديد، فإن الخطوة التي اتخذها الحزب الحاكم وأيدتها قوى المعارضة البرلمانية جاءت بمثابة اعتراف بأمر محتوم. ومع ذلك، فقد ساعدت في التخفيف من حدة التوترات الناجمة عن عملية الانتخاب الرئاسية الفاشلة من خلال إعادة التأكيد على قدرة العملية الديمقراطية على العمل.
والآن بدأت الأنظار تتجه نحو الحملة الانتخابية القادمة التي ستجري تحت مراقبة وثيقة من قبل "سيزار" وهيئة الأركان التركية. وستكشف الانتخابات القادمة عما إذا كانت هيئة الأركان التركية ستعتمد بشكل كامل على الناخبين الأتراك في مواجهتها مع حزب العدالة والتنمية، أم أن لها خطط طوارئ تتضمن خطوات إضافية لكبح جماح الحزب. وتمتلئ أنقرة بشائعات حول احتمال محاولة إغلاق حزب العدالة والتنمية في المستقبل القريب.
من جانبه، وبعد تغلبه على الصدمة الأولى بعد الأحدث العصيبة التي شهدها 27 أبريل، يعمل حزب العدالة والتنمية حاليًا على استعادة زمام المبادرة، حيث أتبع رده المتحدي على بيان هيئة الأركان بإصدار تنديد بقرار المحكمة الدستورية ببطلان الاقتراع الرئاسي. وتلا ذلك السعي بقوة لتمرير عدد من التعديلات الدستورية داخل البرلمان، منها السماح بانتخاب الرئيس بشكل مباشر من جانب الناخبين، ما يبدو أنه رد انتقامي سريع من جانب حكومة "أردوغان" لاستعادة مكانتها. (المحرر: تجري يوم 31 مايو قراءة "تصويت ثان" لتعديل طريقة انتخاب رئيس الجمهورية ليكون اختياره مباشرة من الشعب، ويصبح التعديل واجبا إذا وافق ثلثي أعضاء البرلمان. وإذا لم يوافق ستجري قراءة ثالثة يوم الثلاثاء 5 يونيو 2007).
على أية حال، يبدو في حكم المؤكد لجوء "سيزار" لحق النقض ضد مثل هذا التعديل مع عدم توافر وقت كاف للسعي للحصول على موافقة ثانية من جانب البرلمان ثم إجراء استفتاء عام قبل إجراء الانتخابات العامة، الأمر الذي اعترف به "أردوغان" نفسه.
ورغم أن استطلاعات الرأي لا زالت تشير إلى تقدم حزب العدالة والتنمية على منافسيه، فإن الشكوك تحيط بإمكانية إحراز "أردوغان" لفوز انتخابي جديد. فعلاوة على العقبات غير المتوقعة التي قد يتم وضعها أمام الحزب، بات الآن يقف في مواجهة خصوم يؤمنون بإمكانية استغلال نقاط الضعف الناشئة عن الانتكاسة الأخيرة التي مني بها، بعد عجزهم عن إحراز تقدم أمامه على مدار السنوات الأربع والنصف الماضية.
ولا شك أن انقسام المجتمع التركي على نفسه سيمهد الطريق أمام جهود حزب الشعب الجمهوري بشكل خاص لتقديم نفسه باعتباره الاختيار الطبيعي المتاح أمام الناخبين الشاعرين بالقلق حيال التهديدات التي تتعرض لها العلمانية التركية.
وربما يشعر حزب العدالة والتنمية بقلق حيال التحدي الناشئ عن حزب العمل الوطني فيما يخص كسب ولاء الناخبين المحافظين الذي يأمل في الاستفادة من تنامي المشاعر الوطنية في تركيا. وتعد مشاعر الوطنية التركية الجديدة، حسبما يمكن وصفها، قوة مؤثرة تقوم على مشاعر الكراهية تجاه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، علاوة على الجماعات الإرهابية الانفصالية الكردية.
وبينما أصبح الاتحاد الأوروبي محط سخط بالغ بسبب ما يعتبره الكثيرون شروط مجحفة لقبول انضمام تركيا إلى عضويته، خاصة فيما يتعلق بقبرص، يحمل الأتراك واشنطن اللوم لإخفاقها في اتخاذ إجراءات ملموسة لكبح جماح الأنشطة الإرهابية التي تنفذها عناصر تابعة لحزب العمال الكردستاني ضد تركيا من داخل شمال العراق، وكذلك لدعمها القيادة الكردية العراقية المتهمة بدعم حزب العمال الكردستاني واضطهاد التركمان.
نحو إجماع وطني جديد؟
رغم أنه من المتوقع أن يشهد الشهران القادمان تنامي حدة نبرة الخطابات السياسية وتبادل الاتهامات وتزايد الانقسامات داخل المجتمع التركي، فإن الحملة الانتخابية القادمة ربما تمثل فرصة لتحقيق إجماع وطني جديد. وربما تمثل الأزمة الأخيرة بداية النهاية للتعايش غير المستقر بين الأتراك المتدينين الذين يمقتون القيود التي يفرضها النظام العلماني ويتطلعون نحو حزب العدالة والتنمية للتخفيف من وطأتها من ناحية، وإخوانهم المواطنين ممن يشعرون بقلق حقيقي حيال انزلاق البلاد إلى دولة دينية.
ونظرًا لأن مؤسسي الجمهورية التركية العلمانية لم يرد بخاطرهم إمكانية ظهور هذا التعايش والتوترات الناشئة عنه، يتعين على خلفائهم التوصل إلى صيغة تضمن تجنب اندلاع أزمة كبرى بالبلاد حال تحقيق حزب العدالة والتنمية لنصر كبير في 23 يوليو القادم. وبينما يتحمل الحزب مسئولية كبرى تجاه ضرورة التأكيد على التزامه المطلق بالعلمانية التركية، يتحمل خصومه مسئولية لا تقل أهمية تتمثل في ضرورة قبولهم أن حزب العدالة والتنمية وأنصاره يتعين مواجهتهم فقط من خلال العملية الديمقراطية.
مدير برنامج دراسات تركيا بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية Csis بواشنطن.
*موجز لدراسة نشرت على موقع مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، تحت عنوان "إخفاق حزب العدالة والتنمية في انتخاب رئيس يخلق اختبارًا جديدًا للديمقراطية التركية"، 14 مايو 2007.